محاولة لتجميع الاسرة

المواضيع الأخيرة

» فضل المكث في المسجد بعد عصر الجمعة
الإثنين يوليو 09, 2012 4:13 am من طرف الحمراني

» الزيارة الشرعية والبدعية للقبور
الإثنين يوليو 09, 2012 4:09 am من طرف الحمراني

» شهادة التوحيد متضمنة لأنواع التوحيد الثلاثة
الخميس مايو 24, 2012 1:25 am من طرف الحمراني

» حكم قول : "من حسن الطالع حصل كذا
الخميس مايو 24, 2012 1:22 am من طرف الحمراني

» الجمع بين حديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ، وبين خل المشركين في النار
الخميس مايو 24, 2012 1:20 am من طرف الحمراني

» ما حكم مصافحة المرأة الأجنبية؟
الخميس مايو 10, 2012 9:13 am من طرف الحمراني

» يكاد زيتها يضيء: رؤية علمية جديدة لزيت الزيتون
الخميس مايو 10, 2012 9:08 am من طرف الحمراني

» شجرة الزيتون الشجرة المباركة
الخميس مايو 10, 2012 9:05 am من طرف الحمراني

» تبريد الحمى بالماء
الثلاثاء مايو 01, 2012 11:23 am من طرف الحمراني

التبادل الاعلاني


    الدعوة الى الله وأثرها على أنتشار الأسلام 1

    شاطر

    الدعوة الى الله وأثرها على أنتشار الأسلام 1

    مُساهمة  الحمراني في الأربعاء ديسمبر 07, 2011 7:26 am

    أما ما يتعلق بفضل الدعوة، فكل من له أدنى إلمام بالعلم، يعرف أن الدعوة شأنها عظيم، وهي مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام، والرسل عليهم الصلاة والسلام هم الأئمة في هذا الشأن، وهم الأئمة في الدعوة، وهي وظيفتهم؛ لأن الله جل وعلا بعثهم دعاة للحق، وهداة للخلق عليهم الصلاة والسلام، فكفى الدعوة شرفاً، وكفاها منزلةً عظيمةً أن تكون وظيفة الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة. قال الله تعالى في كتابه المبين: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجتنبوا الطاغوت[1]، فبين سبحانه وتعالى أن الرسل جميعاً بعثوا بهذا الأمر العظيم الدعوة إلى عبادة الله وحده، واجتناب الطاغوت.
    والمعنى أنهم بعثوا لدعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة، وتخصيصه بها، دون كل ما سواه، وتحرير الناس من عبادة الطاغوت، إلى عبادة الله وحده.
    والطاغوت كل ما عبد من دون الله من شجر وحجر، أما ما عبد من دون الله من الأنبياء والصالحين والملائكة فليس المعبود منهم طاغوتاً، ولكن الطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى ذلك وزين ذلك، وإلا فالرسل والملائكة والصالحون يبرءون إلى الله عز وجل من عبادة من عبدهم. فالطاغوت كل ما عبد من دون الله من الجمادات، ومن العقلاء الذين يرضون بذلك كفرعون وأشباهه، أما من لا يرضى بذلك فالطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى عبادته وزينها.
    وقال عز وجل: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[2]، فبين سبحانه وتعالى أن الرسل بعثوا مبشرين ومنذرين، مبشرين من أطاعهم بالنصر والتأييد والجنة والكرامة، ومنذرين من عصاهم بالخيبة والندامة والنار.
    وفي بعثتهم إقامة الحجة، وقطع المعذرة، حتى لا يقول قائل ما جاءنا من بشير ولا نذير فالله سبحانه وتعالى بعث الرسل إقامة للحجة، وقطعاً للمعذرة، وهداية للخلق، وبياناً للحق، وإرشاداً للعباد إلى أسباب النجاة، وتحذيراً لهم من أسباب الهلاك عليهم الصلاة والسلام، فهم خير الناس وأصلح الناس، وأنفع الناس للناس، وقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا[3]، فأخبر سبحانه أنه بعث هذا الرسول الكريم محمداً عليه الصلاة والسلام شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله، فعلم بذلك أن وظيفة الدعوة إلى الله هي تبليغ الناس الحق، وإرشادهم إليه، وتحذيرهم مما يخالفه ويضاده. وهكذا أتباعهم إلى يوم القيامة. مهمتهم الدعوة إلى الله وإرشاد الناس إلى ما خلقوا له، وتحذيرهم من أسباب الهلاك، كما قال عز وجل: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[4]، فأمر الله نبيه أن يبلغ الناس أن سبيله التي هو عليها الدعوة إلى الله عز وجل، وهكذا أتباعه هم على ذلك.
    والمعنى: قل يا محمد، أو قل يا أيها الرسول للناس: هذه سبيلي أنا ومن اتبعني. فعلم بذلك أن الرسل وأتباعهم هم أهل الدعوة، وهم أهل البصائر، فمن دعا على غير بصيرة فليس من أتباعهم، ومن أهمل الدعوة فليس من أتباعهم، وإنما أتباعهم على الحقيقة هم الدعاة إلى الله على بصيرة، يعني أتباعهم الكُمّل الصادقين الذين دعوا إلى الله على بصيرة، ولم يقصروا في ذلك، وعملوا بما يدعون إليه، وكل ما حصل من تقصير في الدعوة، أو في البصيرة كان نقصاً في الإتباع، ونقصاً في الإيمان وضعفاً فيه، فالواجب على الداعية إلى الله عز وجل، أن يكون ذا بصيرة، أي ذا علم، فالدعوة على جهل لا تجوز أبداً، لأن الداعية إلى الله على جهلٍ يضر ولا ينفع، ويخرب ولا يعمر، ويضل ولا يهدي، فالواجب على الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى التأسي بالرسل بالصبر والعلم والنشاط في الدعوة: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ[5]، فالدعوة إلى الله عز وجل هي سبيل الرسل وطريقهم عليهم الصلاة والسلام، وفي ذلك غاية الشرف والفضل للدعاة أتباع الرسل، المقتدين بهم، السائرين على منهاجهم عليهم الصلاة والسلام، ومن شرط ذلك أن يكون الداعية على بصيرة وعلم وبينة، بما يدعو إليه، ومما يحذر منه حتى لا يضر الناس، وحتى لا يدعو إلى ضلالة وهو لا يدري، أو يدعو إلى باطل وترك حق وهو لا يدري، حتى يكون على بينة ليعرف ما يدعو إليه، وما يدعو إلى تركه.
    وقال عز وجل: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[6]، هذا الأمر العظيم وإن كان موجهاً إلى الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، فهو أمر للأمة جميعاً، وإن خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم فهو الأصل والأساس، وهو القدوة عليه الصلاة والسلام، ولكنه مع ذلك موجه للأمة جميعاً، لأن القاعدة الشرعية أن أمته تابعة له في الأمر والنهي إلا ما دل الدليل على أنه خاص به عليه الصلاة والسلام، فالدعوة إلى الله فرض كفاية على الجميع، وواجب على الجميع، قال الله جل وعلا: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا[7]، فعلى المسلمين أن يتأسوا بنبيهم عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله، والتوجيه إليه، وإرشاد العباد إلى أسباب النجاة، وتحذيرهم من أسباب الهلاك، وفي هذه الآية العظيمة بيان كيفية الدعوة وأسلوبها ونظامها وما ينبغي للداعي أن يكون عليه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ[8]، قال جماعة من علماء التفسير: معنى ذلك: بالآيات والأحاديث، يعني ادع إلى الله بآيات الله وبسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. لما فيها من الحكمة، ولما فيها من الفقه والردع والبيان والإيضاح، والكلمة الحكيمة هي التي فيها الردع عن الباطل، والتوجيه إلى الخير، وفيها الإقناع والتوجيه إلى ما فيه السعادة.
    فالداعي إلى الله جل وعلا، ينبغي له أن يتحرى في دعوته ما يقنع المدعو، ويوضح الحق، ويردعه عما يضره، بالأسلوب الحسن الطيب، اللين الرقيق، ولهذا قال بعده: وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، فليكن الداعي ذا حكمة، وذا موعظة حسنة، عند الحاجة إليها، فهو يوضح الحق ويبينه، ويرشد إليه بالآيات والأحاديث الواضحة البينة الصحيحة، حتى لا يبقي شبهة للمدعو.
    ومن الحكمة إيضاح المعنى وبيانه بالأساليب المؤثرة التي يفهمها المدعو، وبلغته التي يفهمها حتى لا تبقى عنده شبهة، وحتى لا يخفى عليه الحق بسبب عدم البيان، أو بسبب عدم إقناعه بلغته، أو بسبب تعارض بعض الأدلة وعدم بيان المرجح، فإذا كان هناك ما يوجب الموعظة وعظ وذكر بالآيات الزواجر، والأحاديث التي فيها الترغيب والترهيب، حتى ينتبه المدعو ويرق قلبه وينقاد للحق، فالمقام قد يحتاج فيه المدعو إلى موعظةٍ وترغيبٍ وترهيب على حسب حاله، وقد يكون مستعداً لقبول الحق، فعند أقل تنبيه يقبل الحق، وتكفيه الحكمة، وقد يكون عنده بعض التمنُّع وبعض الإعراض فيحتاج إلى موعظة وإلى توجيه، وإلى ذكر آيات الزجر والترغيب وأحاديث الزجر والترغيب والترهيب حتى يلين قلبه، ويقبل الحق.
    وقد يكون عنده شبه فيحتاج إلى جدال بالتي هي أحسن. حتى تزاح الشبهة، ويتضح الحق ولهذا قال جل وعلا: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[9]. فإذا كان المدعو عنده بعض الشبه. فعليك أيها الداعي أن توضح الحق بدلائله. وأن تزيح الشبهة بالدلائل التي تزيحها، حتى يبقى معك المدعو على أمر بين واضح، وليكن هذا بالتي هي أحسن؛ لأن العنف والشدة قد يضيعان الفائدة. وقد يقسو قلب المدعو بسبب ذلك ويحصل له به الإعراض والتكبر عن القبول فعليك بالرفق والجدال بالتي هي أحسن حتى يقبل منك الحق، وحتى لا تضيع الفرصة. وتذهب الفائدة سدى. بسبب العنف والشدة، ما دام صاحبك يريد منك الحق. ولم يظلم ولم يتعد. أما عند الظلم والتعدي فله نهج آخر. وسبيل آخر، كما قال جل وعلا: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ[10]، فإذا كان أهل الكتاب يجادلون بالتي هي أحسن، فالمسلمون من باب أولى أن يجادلوا بالتي هي أحسن، لكن من ظلم ينتقل معه إلى شيء آخر، فقد يستحق الظالم الزجر، والتوبيخ، وقد يستحق التأديب والسجن، إلى غير ذلك على حسب ظلمه.
    والآيات في فضل الدعوة، والحث عليها كثيرة، ولكن من أهم ذلك وأوضحه ما بينا. ومن هذا قوله سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[11]، ففي هذه الآية الكريمة بيان أنه لا أحسن قولاً ممن دعا إلى الله، وفي ذلك غاية الحث على الدعوة، وغاية التحريض عليها، إذا كان لا أحسن قولاً. ممن دعا إلى الله، فحقيق بالمؤمن.
    وحقيق بطالب العلم أن يبادر ويسارع إلى هذا المقام العظيم، مقام الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو الدعوة إلى الله والإرشاد إلى دينه الحق، وهذه الطائفة رأسها وأئمتها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم أحسن الناس قولاً، وهم أئمة الهدى والدعوة، وهم أولى الناس بالدخول في هذه الآية الكريمة؛ لأنهم القدوة والأساس في الدعوة إلى الله عز وجل عليهم الصلاة والسلام.
    وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[12]، هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضاً، ولهذا قال بعده: وَعَمِلَ صَالِحًا، فالداعي إلى الله عز وجل يكون داعية باللسان، وداعية بالعمل، ولا أحسن قولا من هذا الصنف من الناس، هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة. وهم يوجهون الناس بالأقوال والأعمال. فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم. وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام، دعاة إلى الله بالأقوال والأعمال والسيرة، وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال ولاسيما العامة وأرباب العلوم القاصرة، فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها، فالداعي إلى الله عز وجل من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرةٍ حسنة وذا عملٍ صالح وذا خلقٍ فاضل حتى يقتدى بفعاله وأقواله وسيرته. وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[13]، يعني الداعي يصرح بما هو عليه ويبين أنه على المنهج الأسمى، على الحق، يقول هذا معتزاً به فرحاً به مغتبطاً به، لا مرائياً ولا مفاخراً ولكنه مبين للحق، يقول: إني على صراط مستقيم، أنا من المسلمين، لست نصرانياً ولا يهودياً ولا وثنياً ولكنني مسلم حنيف أدعو إلى الله على بصيرة، أدعو إلى ديني، أدعو إلى الحق، ويقول هذا عن اغتباط، وعن سرور، وعن اعتراف صادق، وعن إيمان بما يدعو إليه، حتى يعلم المدعوون أنه على بينة، وأنه على طريق واضح ومنهج صحيح، وأنه إذا دعا إلى الإسلام فإنه يدعو إليه وهو من أهله، ليس يدعو إليه وهو من غير أهله، بل هو يدعو إليه وهو عليه آخذ به ملتزم به. وكثير من الدعاة قد يدعون إلى شيءٍ وهم على خلافه، لكن دعوا إليه إما لمالٍ أخذوه وإما رياءٍ وإما لأسبابٍ أخرى، لكن الداعي الصادق إلى الله يدعوا إلى الإسلام؛ لأنه دينه، ولأنه الحق الذي لا يجوز غيره، ولأنه سبيل النجاة وسبيل العزة والكرامة، ولأنه دين الله الذي لا يرضى سواه سجانه وتعالى. فهذه الآية العظيمة فيها الحث والتحريض على الدعوة إلى الله عز وجل وبيان منزلة الدعاة، وأنهم أحسن الناس قولاً إذا صدقوا في قولهم وعملوا الصالحات، وهم أحسن الناس قولاً، ولا أحد أحسن منهم قولاً أبداً، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم أتباعهم على بصيرة إلى يوم القيامة.
    ومن الدعاة إلى الله الداخلين في هذه الآية المؤذنون فإنهم دعاة إلى الله ينادون على رءوس الأشهاد بتكبير الله وتعظيمه والشهادة له بالوحدانية ولنبيه بالرسالة عليه الصلاة والسلام، فهم من الدعاة إلى الله وهم داخلون في هذه الآية الكريمة.
    ومما صح في السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في شأن الدعوة وفضلها قوله عليه الصلاة والسلام لما بعث علياً رضي الله عنه إلى خيبر قال: ((ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)) متفق عليه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
    أقسم عليه الصلاة والسلام وهو الصادق وإن لم يقسم أن هداية رجل واحد على يد عليٍ رضي الله عنه خير له من حمر النعم، فدل ذلك على أن الدعوة إلى الله شأنها عظيم وأنها منزلة عظمى. وفي هذا بيان أن المقصود من الدعوة والجهاد ليس قتل الناس ولا أخذ أموالهم؛ ولكن المقصود هدايتهم وإنقاذهم مما هم فيه من الباطل، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وانتشالهم من وهدة الضلالة وأوحال الرذيلة إلى عز الهدى وشرف التقوى. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((والله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)).
    وفيه من الفوائد حث الغزاة وأئمة الغزو على التريث وعدم العجلة في القتال، وأن يجتهدوا في الدعوة وإرشاد المدعوين وتنبيههم على أسباب النجاة لعلهم يرجعون ويجيبون الداعي، ولعلهم يتركون القتال ويدخلون في دين الله سبحانه وتعالى، فليس مقصود المسلمين ولا مقصود الإسلام والجهاد القتل وسبي النساء والذرية والأموال، وإنما المقصود من ذلك هداية الناس وإرشادهم إلى الحق الذي خلقوا له كما سبق، فإذا امتنعوا وأصروا ولم يقبلوا الحق بعد ذلك فالجهاد يفر إليه عند الحاجة، أما إذا كفت الدعوة وقبلوا الحق فلا حاجة إلى الجهاد، وإنما يصار إليه عند امتناع المدعو وعدم قبوله الحق، فعند هذا شرع الله الجهاد بالسلاح لقمع المبطلين وإزاحتهم عن طريق الدعوة، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وفتح الطريق أمام الدعوة إلى الله عز وجل حتى ينتشر الإسلام في أرض الله.
    وفيه من الفوائد أيضاً الدلالة على أن هداية واحدٍ خير من حمر النعم، يعني: أن الهداية لواحدٍ من الكفار على يدك أيها الداعي أو أيها الأمير فيه خير عظيم وفضل كبير. قال بعض الأئمة: معنى ذلك: خير من الدنيا وما عليها؛ لأن الدنيا زائلة والآخرة باقية فخيرها ولو كان قليلاً خير من الدنيا وما عليها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها)).
    وإنما ذكر صلى الله عليه وسلم حمر النعم لأن حمر النعم أنفس أموال العرب وأرفعها عندهم فمثل بها، وإلا فالمقصود أن هداية رجل واحد أو أكثر من ذلك خير من الدنيا وحطامها الزائل الفاني.
    وقال عليه الصلاة والسلام: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) أخرجه مسلم في الصحيح، وهو يدل على أن من دعا إلى الخير وأرشد إليه كان له مثل أجر فاعله، وهذه فضيلة عظيمة للدعوة وشرف عظيم للدعاة أن الله - سبحانه وتعالى - يعطيهم مثل أجور من هداه الله على أيديهم.
    فيا له من خير، ويا له من فضل، ويا لها من منزلة. فيا أخي ادع إلى ربك وإلى دينك وإلى إتباع نبيك عليه الصلاة والسلام يحصل لك مثل أجور من هداه الله على يديك، هذه مزيةٍ عظيمة وفضل كبير، وفي ذلك حث وتحريض للدعاة على الدعوة والصبر عليها إذا كنت تحصل بذلك على مثل أجور من هداه الله على يدك، فحقيق بك أن تشمر وأن تسارع إلى الدعوة وأن تصبر عليها وفي هذا خير عظيم، وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم أيضاً في الصحيح: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً))، وهذا أيضاً فضل عظيم: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه))، وهذا مثل ما تقدم في حديث: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)).
    وهذه الأحاديث وما جاء في معناها فيها الحث والتحريض على الدعوة وبيان فضلها وأنها في منزلة عظيمة من الإسلام، وأنها وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد بعث الله تعالى الرسل جميعاً دعاة لله عز وجل، ومبشرين بدينه، ومنذرين من عصاه، فحقيق بك أيها المؤمن أن تسير على منهاجهم الصالح، وأن تستمر على طريقهم الواضح بالدعوة إلى الله والتبشير بدينه، والتحذير من خلافه، وإنما يتم هذا الفضل ويحصل هذا الخير ويتضاعف بالصبر والإخلاص والصدق، فمن ضعف صبره أو ضعف صدقه أو ضعف إخلاصه لا يستقيم مع هذا الأمر العظيم، ولا يحصل به المطلوب كما ينبغي، فالمقام يحتاج إلى إخلاص، فالمرائي ينهار ولا يثبت عند الشدائد، ويحتاج إلى صبر، فذو الملل وذو الكسل لا يحصل به المقصود على التمام، فالمقام يحتاج إلى إخلاص وإلى صدق وإلى صبر، كما قال سبحانه وتعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ[14]، وكما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ[15]، وقال عز وجل: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[16]، فلا بد من الصدق كما قال عز وجل: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ[17]، ولا بد من الصبر كما قال جل وعلا: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[18]، وكما قال سبحانه: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[19]، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. فالدعاة إلى الله عز وجل إذا صبروا وصدقوا وكانت دعوتهم على علم وعلى بصيرة، صاروا أئمة للناس يقتدى بهم في الشدة والرخاء، والعسر واليسر، كما سبق في قوله تعالى وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[20].
    فعليك يا عبد الله بالصبر على دعوتك وإيمانك وعملك الصالح، وعليك باليقين في أعمالك. كن على بصيرة. تعلم وتفقه وتثقف في الدين، وكن على بينة في أمورك حتى تكون دعوتك عن صبر وعن يقين، وبهذا تكون إماماً يقتدى به، وتكون إماماً وقدوة وأسوة صالحة في أعمالك الطيبة وسيرتك الحسنة، وبهذا ينتهي الكلام على فضل الدعوة وهو الشق الأول.


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 12:38 pm